كتبت إحسان صلاح و ناجح داود، أن قادة تركيا والسعودية وباكستان رفعوا، بعد ظهر الجمعة في مدينة مكة السعودية، نص اتفاق دفاعي وقعته الدول الثلاث حديثًا، في خطوة عكست سعيًا إلى تشكيل إطار أمني إقليمي جديد. ونشر التقرير موقع مدى مصر.

 

وقال نائب وزير الدبلوماسية العامة السعودي رائد قرملي، لدى إعلان الاتفاق، إنه سيسمح للدول الثلاث «بتطوير قدرات دفاعية مشتركة، وتعزيز الردع الاستراتيجي، ورفع مستوى الجاهزية، ومواصلة تطوير ودمج قدراتها الدفاعية لمواجهة أي تهديدات لأمنها وسلامتها بشكل مشترك».

 

وأضاف قرملي أن «أي هجوم مسلح خارجي على أي دولة من الدول الثلاث سيُعتبر هجومًا على الدول الثلاث جميعًا»، مرددًا بذلك تصريحات مماثلة لمسؤولين أتراك وباكستانيين.

 

وحمل الاتفاق اسم «اتفاقية مكة للدفاع المشترك»، وقدمتها الدول الثلاث باعتبارها تتويجًا للتعاون بين بلدان اجتمعت للتوسط من أجل التوصل إلى حل طويل الأمد للحرب التي خاضتها الولايات المتحدة ضد إيران، والتي دفعت طهران خلالها بأسراب من الطائرات المسيّرة والصواريخ باتجاه دول الخليج العربية المجاورة، واستهدفت منشآت عسكرية ومنشآت رئيسية للطاقة، وعطلت حركة شحن نحو 20% من نفط وغاز العالم.

 

وخلال الأشهر الستة الماضية، عقدت هذه الدول اجتماعات في عواصم إقليمية، واستخدمت ثقلها الدبلوماسي والاقتصادي للضغط على مسؤولين إيرانيين وأمريكيين، ونقلت رسائل عبر قنوات خلفية، وأصدرت بيانات مشتركة، وأجرت اتصالات هاتفية ليلية متأخرة مع بعضها بعضًا، أعقبتها دائمًا بيانات صحفية سريعة لطمأنة الرأي العام إلى أن الأوضاع لن تخرج عن السيطرة.

 

لكن حين انعقد اجتماع الجمعة، اختل التماسك الذي ميز التكتل بغياب لافت، إذ كانت مجموعة الوساطة التي قادت جهود خفض التصعيد تتكون من أربع دول، لا ثلاث.

 

وغابت مصر عن الاجتماع، رغم أن غيابها لم يكن نتيجة عدم توجيه الدعوة إليها. وقال مصدر باكستاني مطلع على المفاوضات الأخيرة لموقع مدى مصر إن مصر تلقت عرضًا للانضمام إلى التحالف، لكنها رفضت.

 

وقال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، يوم السبت، إن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يرغب في توسيع التحالف، وإن مصر تُعد إحدى الدول المرشحة للانضمام إليه، إلى جانب دول أخرى.

 

وأضاف فيدان: «مصر شريك طبيعي لنا بالفعل في جميع القضايا. وأعتقد أن مصر ستكون معنا أيضًا في التحالف خلال المرحلة المقبلة. فنحن نتعامل بالفعل مع بعضنا بعضًا كما لو كنا أعضاء في تحالف واحد. وهناك بعض المسائل الفنية. وبمجرد تنفيذها، لن يكون هناك ما يمنع مصر من أن تصبح جزءًا منه».

 

فلماذا، إذن، ترفض مصر الانضمام إلى اتفاق ساعدت في وضع الأسس الدبلوماسية له، رغم الترحيب الواسع بها؟

 

يرى مسؤولون في القاهرة ودبلوماسيون سبق أن عملوا في عواصم المنطقة ومصادر في الدول الموقعة أن الإجابة تكمن في أن اتفاق الدفاع لا يتعلق كثيرًا بالدفاع الفعلي، بقدر ما يرتبط بالاصطفاف السياسي. وبينما تحافظ مصر على علاقات ثنائية قوية مع العديد من دول التحالف، فإنها لا ترغب في الانضمام إلى ما تعتبره تكتلًا سياسيًا تقوده السعودية، بما قد يقيد قدرتها على المناورة إقليميًا.

 

مدى قوة اتفاقية مكة مقارنة بحلف الناتو؟

 

عقب مراسم توقيع الاتفاق الجمعة، تصدرت تصريحات وزير الخارجية التركي بشأن الثقل العسكري للاتفاقية عناوين الأخبار. وقال فيدان في مقابلة مع التلفزيون التركي إن اتفاقية مكة للدفاع المشترك تعادل المادة الخامسة من حلف شمال الأطلسي «الناتو» الخاصة بالدفاع الجماعي.

 

وعلى مدار سنوات، ترددت دعوات إلى إنشاء تحالف عسكري شرق أوسطي على غرار الناتو، أُطلق عليه اسم «الناتو العربي». وتنافست السعودية والإمارات على لعب دور قيادي في بناء مثل هذا الهيكل الأمني.

 

وقال فيدان، يوم السبت، إن «هذا هو السبب وراء إنشاء اتفاق أمني. وهذا هو السبب الذي يدفع دولًا أخرى في نهاية المطاف إلى الانضمام إلى تحالف، للاستفادة من الدعم الحمائي المتبادل».

 

وتنص المادة الخامسة من معاهدة الناتو على أن «أي هجوم مسلح على دولة عضو في الناتو يُعتبر هجومًا على جميع الأعضاء، ويستدعي التزامًا من كل عضو بتقديم المساعدة إليها». ورغم استخدام فيدان هذا التشبيه للتأكيد على قوة الاتفاق الجديد، فإن المادة الخامسة لا تقدم سابقة كبيرة على صعيد الدفاع الجماعي.

 

ولم تُفعّل المادة سوى مرة واحدة في تاريخ المعاهدة، عقب هجمات 11 سبتمبر على الولايات المتحدة. لكن الناتو، بدلًا من أن يكون القوة الرئيسية التي دعمت الغزو الأمريكي لأفغانستان والعراق، نفذ عمليات صغيرة و«رمزية» لدعم أكبر أعضائه.

 

ومن ناحية أخرى، قلل مسؤول تركي تحدث إلى مدى مصر من الطبيعة الملزمة الفعلية لاتفاقية مكة.

 

وقال المصدر إن البند الذي ينص على اعتبار الهجوم المسلح على إحدى الدول الثلاث هجومًا على الدول الثلاث «مسألة خطيرة للغاية بالفعل، وهو يشبه المادة الخامسة من تحالف الناتو»، لكنه أشار إلى أن تطبيقه يخضع للتصويت، على غرار الناتو.

 

وأوضح أن «الناتو لديه بالفعل المادة الخامسة، التي تنص على أنه إذا دخلت دولة واحدة في حرب، تتدخل جميع الدول، لكن ذلك يظل خاضعًا للتصويت. ولذلك أعتقد أن الاتفاقية الثلاثية ستضم أيضًا لجانًا للتصويت على ضرورة انخراط الدول الثلاث في عمليات دفاعية وهجومية».

 

ورجح المصدر كذلك عدم تنفيذ أي تحرك عسكري مشترك واسع النطاق في الوقت الراهن.

 

وقال: «أعتقد أن هذا التحالف يمثل جوهر مظلة ردع إقليمية تمتد من شرق البحر المتوسط إلى بحر العرب. وتضم هذه المنطقة الجغرافية الواسعة أنظمة رادار رئيسية، سواء لدى تركيا أو باكستان أو السعودية. وأعتقد أن أهم أشكال التعاون في البداية سيكون تبادل المعلومات الاستخباراتية التي توفرها أنظمة الرادار، إذ يمكنها رصد أي هجوم منذ بدايته».

 

ويرى دبلوماسي عربي سبق أن عمل في تركيا أن الاتفاقية أقل ارتباطًا بالدفاع المشترك عن مصالح الدول الثلاث وأكثر ارتباطًا بالدفاع عن السعودية. وقال المصدر: «أنا متأكد من أن لا أحد يعتقد أن تركيا إذا تعرضت لهجوم، ستحتاج إلى اللجوء إلى الجيش السعودي أو الباكستاني، على سبيل المثال».

 

وأشار كذلك إلى أن من غير المرجح للغاية أن تخوض تركيا أو باكستان حربًا ضد إيران، أو ضد أي طرف آخر، نيابة عن السعودية، ناهيك عن أن تطلب الرياض منهما ذلك. وتساءل المصدر: «إذا واجه السعوديون تهديدًا عسكريًا خطيرًا، على غرار ما واجهته دول الخليج خلال الغزو العراقي للكويت، فهل سيلجأون فقط إلى تركيا وباكستان؟».

 

وأجاب: «بالطبع لا. سيحتاجون إلى تحالف من الدول الراغبة في المشاركة، بقيادة الولايات المتحدة، على غرار التحالف الذي حرر الكويت».

 

وأشار مسؤول مصري رفيع المستوى ومسؤول آخر في الدولة المصرية تحدثا خلال الأشهر الأخيرة عن احتمال تحول مجموعة الدول الأربع إلى إطار دفاعي إقليمي، إلى أنه من غير المنطقي توقع أن تلجأ دول الخليج إلى أي طرف آخر غير الولايات المتحدة لتأمين مصالحها.

 

وقال المسؤول المصري الرفيع في يونيو: «الحديث عن بنية أمنية إقليمية جديدة لا يزال نظريًا للغاية، لأنني لا أعتقد أن دول الخليج، مهما كانت منزعجة من الأمريكيين، ستدير ظهرها للولايات المتحدة. لا يمكنها الاستغناء عن الولايات المتحدة. فالولايات المتحدة تقدم لدول الخليج حزمًا أمنية جديدة، وأعتقد أن أي تعاون آخر قد تحصل عليه هذه الدول مع باكستان أو تركيا أو مصر أو أي دولة أخرى سيكون جزئيًا فقط».

 

وأضاف: «بالنسبة لدول الخليج، يظل اللاعب الرئيسي في مجال الدفاع، قبل الحرب على إيران وبعدها، هو الولايات المتحدة. لن تتجه هذه الدول إلى الصين، ولن تتجه إلى روسيا، وبالتأكيد لن تتجه إلى دول أخرى مثل مصر أو تركيا».

 

لماذا ترفض مصر تحالفًا عسكريًا تقوده السعودية؟

 

حتى مع المبالغة الواضحة في الحديث عن احتمال تنفيذ عمليات عسكرية فعلية، فإن مصر لا ترغب في المشاركة في تحالف ملزم يوفر الحماية للسعودية، بحسب مسؤول مصري سابق. وقال المسؤول: «لن تنضم مصر إلى تحالف عسكري تقوده السعودية».

 

وأوضح أن قرار مصر الانضمام إلى التحالف البحري في البحر الأحمر، الذي تقوده السعودية، يستند إلى فهم مختلف لطبيعة التعاون، قائلًا إن هذا التحالف «يتعلق بتبادل المعلومات والتشاور مع بعضها بعضًا، وليس بشيء آخر».

 

وأضاف أن الوضع يختلف في اتفاقية مكة، لأن مصر لديها الكثير من المخاوف عندما يتعلق الأمر بالبحر الأحمر، ولا تمانع في التعاون مع السعودية أو غيرها ضمن منظومة دفاع بحري.

 

وتابع: «والأهم من ذلك أن الأمر يتعلق بالدفاع عن البحر الأحمر، وليس عن السعودية».

 

ولا يعني ذلك أن مصر ستدير ظهرها لمسألة توفير الأمن للخليج، وفقًا لمسؤول حكومي آخر اطلع على المناقشات التي جرت خلال الأشهر الأخيرة بين أعضاء المجموعة الرباعية وأطراف إقليمية أخرى بشأن إطار أمني إقليمي جديد.

 

وقال المسؤول في يونيو إن وزيري الخارجية المصري والقطري عقدا جلسات ثنائية ناقشا خلالها أفكارًا أولية حول الدور الذي يمكن أن تؤديه مصر في النظام الأمني المستقبلي.

 

وأضاف: «هذا يختلف عن نظام أمني أوسع بكثير، وغير عربي في جوهره، يتحدث عنه الأتراك والباكستانيون. مصر لا تؤيد أن تكون طرفًا في نظام أمني غير عربي».

 

ويرى دبلوماسي عربي سابق يتمتع بعلاقات في عواصم المنطقة أنه إذا أرادت السعودية طلب مساعدة من مصر، فيمكن للرياض القيام بذلك في إطار معاهدة الدفاع العربي المشترك، التي وقع عليها البلدان.

 

حسابات مصر بين السعودية والإمارات وتركيا وباكستان

 

يقول الدبلوماسي العربي الذي سبق أن عمل في تركيا إن اتفاقية مكة لا تمثل في جوهرها اتفاقًا دفاعيًا بقدر ما تمثل رسالة سعودية. ويرى الدبلوماسي أن السعودية تقول من خلال الاتفاقية إنها «قادرة على العمل، وستعمل، على استراتيجية دفاعية جديدة تتجاوز الترتيبات القائمة والمستقرة».

 

وبالنسبة إلى الدول الأخرى الموقعة على اتفاقية مكة، يرجح الدبلوماسي أن هناك فوائد فيما يسميه «مخططًا سياسيًا».

 

ويشرح مصدر سياسي تركي هذه الفوائد قائلًا إن الهند، جارة باكستان، تنسق بشكل كامل مع إسرائيل، التي تقع في جوار تركيا. كما أن الهند وإسرائيل تتعاونان مع اليونان، ما يعني أن محورًا آخذًا في التشكل على الخريطة يربط بين الهند واليونان وإسرائيل.

 

وقبل اندلاع حرب غزة عام 2023، أعلنت الهند «ممر الهند–الشرق الأوسط–أوروبا الاقتصادي» خلال اجتماع مجموعة العشرين في نيودلهي. وكان الاتفاق التجاري يهدف إلى ربط الهند بأوروبا عبر طرق شحن وخطوط سكك حديدية تمر عبر الإمارات والسعودية والأردن وإسرائيل واليونان.

 

ومع إعادة سلسلة الحروب التي عصفت بالمنطقة رسم تحالفات ومنافسات القوى الإقليمية، بدأت عدة دول تنظر إلى هذا الممر التجاري بشكوك متزايدة، ودفعها ذلك إلى السعي وراء تعزيز نفوذها ومصالحها الاقتصادية الخاصة.

 

ويقول الدبلوماسي العربي السابق الذي يتمتع بعلاقات في عواصم المنطقة إن التردد في التعامل مع الديناميكيات الإقليمية المتغيرة يمثل أحد الأسباب الرئيسية وراء غياب مصر عن اجتماع مكة الجمعة.

 

وأضاف: «لن تنضم مصر إلى اتفاق دفاعي مع تركيا، خاصة في ظل العلاقة المعقدة التي تربطها باليونان وقبرص».

 

وتابع: «وبالمثل، من الصعب تصور انخراط مصر في اتفاق دفاعي مع باكستان، في ظل سعيها إلى تعزيز علاقاتها الاقتصادية مع الهند».

 

وفيما يتعلق بالتوتر الرئيسي في المنطقة، امتنعت مصر عن الانحياز إلى أي طرف في صراع النفوذ بين الرياض وأبوظبي. ورغم رغبة السعودية في استقطاب دول بعيدًا عن الإمارات، التي تتحدى بصورة متزايدة دورها التقليدي في قيادة المنطقة، تحافظ مصر على اتصالاتها مع أطراف متعددة على خطوط الانقسام الإقليمي، ولذلك تبدو أقل استعدادًا لاختيار طرف على حساب آخر.

 

ويقول المسؤول المصري السابق إن القاهرة تحتاج إلى السعودية بسبب توافق البلدين على نطاق واسع في السياسة الخارجية، خصوصًا في ملفات السودان والصومال، لكن الإمارات أكثر استعدادًا للاستثمار في مصر.

 

وأضاف المسؤول أن مصر «لا تستطيع تحمل تكلفة اختيار طرف» في هذا الصراع الإقليمي.

 

وبذلك، يبدو غياب القاهرة عن اتفاقية مكة للدفاع المشترك أقرب إلى قرار محسوب للحفاظ على مساحة المناورة السياسية والاستراتيجية، أكثر من كونه رفضًا للتعاون الأمني مع دول الخليج. فمصر تريد الحفاظ على علاقاتها مع السعودية والإمارات وتركيا والهند، دون أن تجد نفسها ملزمة بالانضمام إلى محور أمني قد يفرض عليها اصطفافات جديدة في منطقة تعيد الحرب تشكيل تحالفاتها بسرعة.

 

https://www.madamasr.com/en/2026/08/09/feature/politics/why-cairo-didnt-turn-up-for-the-quad-defense-pact-party/